حبيب الله الهاشمي الخوئي
165
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة
فأقول : إنّ الصبر على ما عرفت فيما تقدّم عبارة عن ملكة راسخة في النفس يقتدر معها على تحمّل المكاره وقد أكثر اللَّه سبحانه من مدحه في كتابه العزيز ، وبشّر الصّابرين وذكَّرهم في آيات تنيف على سبعين قال سبحانه : * ( إِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ ) * ، وقال : * ( وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قالُوا إِنَّا لِلَّه ِ وَإِنَّا إِلَيْه ِ راجِعُونَ ) * ، وقال : * ( وَجَعَلْنا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا لَمَّا صَبَرُوا ) * ، وقال : * ( وَجَزاهُمْ بِما صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيراً ) * ، إلى غير هذه مما لا نطيل بذكرها . وأما الأخبار في فضله وفضل الصّابرين فهي فوق حدّ الاحصاء منها ما في الكافي عن العلاء بن الفضيل عن أبي عبد اللَّه عليه السّلام قال : الصّبر من الايمان بمنزلة الرأس من الجسد فإذا ذهب الرأس ذهب الجسد كذلك إذا ذهب الصّبر ذهب الايمان . وعن أبي بصير قال : سمعت أبا عبد اللَّه عليه السّلام يقول إنّ الحرّ حرّ على جميع أحواله إن نابته نائبة صبر لها وإن تداكَّت عليه المصائب لم يكسره وإن أسر وقهر واستبدل باليسر عسرا كما كان يوسف الصديق الأمين عليه السّلام لم يضرره حريّته أن استعبد وقهر واسر ولم يضرره ظلمة الجبّ ووحشته وما ناله أن منّ اللَّه جلّ وعزّ عليه فجعل الجبّار العاتي له عبدا بعد إذ كان مالكا فأرسله ورحم به اللَّه وكذلك الصّبر يعقّب خيرا فاصبروا ووطَّنوا أنفسكم على الصّبر توجروا . وعن حمزة بن حمران عن أبي جعفر عليه السّلام قال : الجنّة محفوفة بالمكاره والصّبر ، فمن صبر على المكاره في الدّنيا دخل الجنّة ، وجهنّم محفوفة باللَّذات والشهوات فمن أعطى نفسه لذّتها وشهوتها دخل النّار . وعن سماعة بن مهران عن أبي الحسن عليه السّلام قال : قال لي : ما حبسك عن الحجّ قال : قلت : جعلت فداك وقع علىّ دين كثير وذهب مالي ، وديني الَّذى قد لزمني هو أعظم من ذهاب مالي فلولا أنّ رجلا من أصحابي أخرجني ما قدرت أن أخرج فقال عليه السّلام : إن تصبر تغتبط وإلَّا تصبر ينفذ اللَّه مقاديرها راضيا كنت أم كارها . وعن أبي حمزة الثمالي قال : قال لي أبو عبد اللَّه عليه السّلام من ابتلى من المؤمنين ببلاء فصبر عليه كان له مثل أجر ألف شهيد . وعن محمّد بن عجلان قال : كنت عند أبي عبد اللَّه عليه السّلام فشكى إليه رجل الحاجة